تِعرف هيباتيا؟... هكذا باغتتني
, فأجبتها: لا, مين هيباتيا؟
كانت قد شَرَعت في قراءة رواية "عزازيل" وعَرِفت هيباتيا خلال سرد الأحداث,
وكانت المرة الأولى التي أسمع فيها هذا الإسم (فيما بعد, عندما شاهدت صورة هيباتيا المُتخيّلة تذكّرت إنني رأيتها كثيراً في مواضع عدة) حسب ما أفادتني ذاكرتي.
إجابتها وإزالتها للغموض حول هذا الإسم دفعني إلى أن أسعى وراءه بحثاً,
نظرة سريعة لم تطول في "جوجل" و "ويكيبيديا" كانت كافية بالغرض, أغلقت الصفحة وإنتهى الامر.
مرّت أيام, وأثناء تصفحي لبعض مواقع الإنترنت بحثاً عن فيلم أميركي جديد لمشاهدته,
عرَضاً وجدت هذا الفيلم " آجورا " الذي عَنونه صاحبه بأنه الفيلم الممنوع من العرض في مصر, عنوانه كان مثيراً لإهتمامي كعادة الممنوعات التي تقرها الأجهزة الرقابية المصرية. الخطوة التي إعتدت عليها قبل تحميل فيلم قراءة نبذة بسيطة عنه وفيما يخص ذلك فإن موقع “آى إم دي بي " يفي بالغرض تماماً, عرفت أن الفيلم يتحدث عن هيباتيا والإسكندرية الرومانية وقت بزوغ شمس المسيحية على مصر وإنحسار شواطىء الوثنية...
هيباتيا!!!!
تداعى إلى ذهني لحظياً الحوار الذي دار بيني وبينها عنها..لا بد وأن أشاهد هذا الفيلم, وشاهدته, وقبل أن ينتهي قررت أن أقرأ رواية "عزازيل" , وقرأتها.

حين تقف مدافعاً عن وثنية
لا أشك أن هذا شعور كل من شاهد أو قرأ ما حدث لهيباتيا فيلسوفة الرياضيات والفلك, وأستاذة كل الازمان كما كانوا يلقّبونها, على يد مجموعة من الرهبان المجرمين ودهماء المسيحيين في الإسكندرية. لا أعرف كيف يمكن لإنسان أن يعتدي على إنسان آخر ضعيف أعزل مهما كان دينه, أو عِرقه, أو جِنسه طالما كان هذا المٌعتدى عليه مسالماً لم يبادر بقتالٍ أو إيذاء!! لم يعتدوا عليها فحسب بل ضربوها, رجموها, وجرّدوها من ملابسها, وسَحلوها,حتى تهتّكت بشرتها وتلوّنت رمال الإسكندرية بِحُمرة دمائها البرئية, مَزّقت أحجار الطريق أنسجتها, ثم قطعوا رأسها ومثّلوا بما تبقى من جثتها.
كان لها الحق أن تحيا في سلام, آمنت أم لم تؤمن..كان لها الحق ألا تُعاقب, ألا تُعذّب ما دامت لم تّهن أحداً, طالما لم تُؤذي أو تعتدي على أحدٍ قط..كان لها الحق أن تُصان كرامتها وتُحفظ آدميتها, طالما لم تُحط من قدر إنسانٍ أو تنتهك كرامة غيرها قط.
لو قررت أن تقف إلى جوارها, فأنت لا تساند وثنيتها, لكنك تدافع عن الإنسانية.

بين السيف والكلمة
أرسل الله الأديان لهداية الناس وتهذيبهم وأنسنة من كان منهم مخلوقاً برياً أو قطعة حجر في صورةٍ بشرية, وأتم الله رسالاته بالرسالة الجامعة الخاتمة, رسالة الإسلام الطيبة الطاهرة المُباركة السمِحة. لماذا لا يقف من يُشهر سيف دينه في وجه آخر في هذا العالم, ويتمهل ويُشحذ هذا السيف بجوهر دينه وأصوله وتعاليمه, ويرى هل يستحق هذا الذي أمامه سيفاً! أم يستحق كلمة ً أو حوار!
لا ترفع سيف الله في غير مُراد الله.

شهوة الإرهاب المقدّس
هل ظن هؤلاء الهمجيون أن ما فعلوه جهاداً مقدساً؟ هل أحسوا بنشوةٍ دينية وهم يغتالون روحاً برئية؟, أعتقد أنهم ظنوا ما فعلوه جهاداً, لكن الحق أنه كان إرهاباً, كان وحشية ً وهمجية ً وإعتداءاً, أعتقد – طبقاً لعقيدتهم - أن ما فعلوه هو تماماً ما فعله اليهود بالمسيح, نفس الإجرام, والبربرية والعدوان, بل أكثر قذارة ً وإنحطاط, لأن اليهود عذّبوا المسيح – طبقاً لعقيدتهم – لأنه حاول أن يغيّر في إيمان الناس ومعتقداتهم, أما هيباتيا, فهي لم تدعوا لدينٍ جديد,
ولم تحاول إثناء من دانوا بالمسيحية عن إيمانهم, فقط كانت تحتفظ لنفسها بالحق في أن تؤمن بما تؤمن به, أو لا تؤمن بما ترى أنه لا يستحق سوى الإنكار.

هيباتيا والأقصى
لو قُدّر لهيباتيا أن تمتلك سيفاً, ولو قُدّر لها أن تُشهره في وجوه قاتليها المجرمين, لكان ذلك حقها المشروع, الذي لا يُنكره عليها مُنصف. كل إنسان له الحق إذا إعتُدي عليه أن يحمي نفسه ويدافع عنها, له الحق طالما لم يبادر بإيذاءٍ أو إنتهاك أن يرد هذا الإعتداء..تماماً كما أرى أن الدفاع عن الأقصى , أو على أقل تقدير أن الإقرار بعدالة قضية المدافعين عنه واجباً إنسانياً على كل البشر – قد أكون ساذجاً في تلك الفكرة – لكنه ما أؤمن به, الإنحياز الكامل إلى الحق, والوقوف بروحٍ قويةٍ يملؤها الإيمان أمام الظلم والطغيان والإحتلال.
إذا كنت مسلماً فذلك واجبك الديني, الدفاع عن مقدساتك وعِرضُك وأهلك وأرضك ودمك.
إذا لم تكن مسلماً فذلك واجبك الإنساني, نُصرة المظلوم ورفض الإحتلال والإرهـــــــــاب.


