Tuesday, August 23, 2011

قبل أن يُسدل الستار




محاطاً بإبنه وأخويه وإبن أخته وأحد المعارف، كان ينتظر في ترقب ما ستسفر عنه نتيجة هذه الأشعات والفحوصات التي أنهكته. لا شك أن كبده الذي أضنته السنون، أراد أن يئن ويشتكي أخيراً ويعلن أنه ما زال هنا، يستحق الرعاية والإهتمام، بعد أن سرق ضغط الدم وأمراض القلب والصدر في جسده الواهن، أضواء الإهتمام والرعاية منه.

الدقائق تمر، والوقت يطول ومعه تتلاعب الهواجس والظنون برأس كلٍ منهم. لا بد وأنه كان يفكر فيما لو كان مرضه خطيراً وأن الأمر قد يستلزم تدخلاً جراحياً، تُرى هل إستسلم لهذه الفكرة السوداء!؟ أم كان ينتظر قدوم الطبيب، ليُبدد مخاوفه بإيتسامة عريضة وورقة بيضاء جديدة يكتب فيها وصاياه بلوغاريتماته التي تشبه النقوش الفرعونية!. حين تنظر إلى وجوه أخويه، لا تستطيع أن تجزم بماذا يفكران، هل في حالة أخيهما الصحية؟ هل يشعران بالخوف عليه؟ هل سرح كل منهما في حياتهما الخاصة؟ هل ينتظران الطبيب ليُعلن نهاية هذه الساعات التي ربما كان أولادهما أولى من أخيهما بها؟ هل يشعران بالملل والضجر؟ تلك الأسئلة، كانت تطوف بين الحين والآخر برأس إبنه، الذي كان ينقل عينيه بإستمرار بين أبيه وعميه وبقية الحضور، يتفحص الوجوه ويسترق السمع إلى الهمسات، كان يشاركهم حيناً في الحديث، ويصمت أحياناً أخرى حين تستبد به ظنونه وتفتك بعقله، الذي كان يتخبط بين سيناريوهات الخبر القادم، يتمنى أن يُفتح باب حجرة الإنتظار ومعها يُفتح باب الأمل، ليدلف الطبيب سريعاً متهللاً وهو يشدو بما يُريح قلوب الجميع

يأتي الطبيب المنتظر ليقطع السبيل أمام ظنون وأفكار منتظريه، بزيه الأبيض وخطواته الواثقة يدلف إلى مكتبه وبيده بعض الاوراق.. إتجهت فورياً في تلك اللحظات له الأعناق وأصبحت شفتيه وأصابعه وملامح وجهه في مرمى عيون الجميع .. في هدوء وثبات طمئن المريض ورفقته، بإن كبده منهك بعض الشىء، ولن يحتاج أكثر من متابعة مع متخصص في الكبد لفترة مع بعض الإرشادات والأدوية المقوية التي أوصى بها. أحس الإبن بالراحة لأنه يعرف أن هذا شىء إعتيادي، فكبد والده يعاني منذ سنين وطالما أنه لا يحتاج سوى بعض الأدوية والمتابعة فمعنى هذا أن نتائج الفحوصات كانت ممتازة.. إرتاحت قسمات وجه الأب الذي أجهده القلق، وبدى على الجميع الإرتياح لهذه النتيجة التي آل إليها إجتماعهم، حمدوا الله جميعاً، وألتقط أحدهم حافظة الأوراق والأشعات من الطبيب، فيما تاهب البقية للمغادرة

كان الطبيب يتفرس وجوه الحضور، حتى باغت أحدهم بسؤاله عن صلة قرابته بالمريض، كان السؤال موجهاً إلى الإبن، الذي أجاب فعاد الطبيب ليسأل من جديد، أسئلة، إنتهت بأن إستأذن الطبيب الإبن في أن يصحبه منفرداً إلى الغرفة المجاورة.. داخلها، عرف الإبن أنه لم تعد أمام أبيه سوى أياماً معدودة في هذه الدنيا، كان المشهد غريباً ومؤلماً لدرجة أفقدت الإبن توازنه.. وكأن إتصاله بالواقع قد إنفصم، وكيف لا! وهو لم يعش قط مثل هذه اللحظات الخانقة من قبل، لم يختبرها إلا على شاشات التلفزيون والسينما، والتي كانت في كثير الأحيان لمعظم المشاهدين إمعاناً في الخيال وإستخفافاً بعقولهم.. لم يكن يصدقها وهو يراها على شاشة، فكيف تحولت هذه الشاشة إلى واقع وأصبح هو الآن جزءاً من هذا المشهد الغير قابل للتصديق!

بلا جدوى حاول أن يستخلص الامل من براثن الطبيب، الذي لم يكن يبدو عليه أنه أخطأ في تقييمه للحالة.. كان آخر ما أوصى به الطبيب الإبن، ألا يُحرم والده من أى شىء يشتهيه أو يحبه أياً كان، فما من شىء الآن يُمكن أن يسبب له الضرر! كانت تلك الكامت تنهش في خلايا الإبن وتمزقها، كانت صعقات ً كهربية، كلما حاول عقله أن يستفيق من صعقة، عاجلته الآخرى وأجهزت عليه

في عقل الإبن تسابقت الأفكار والوسوسات عن الموت والحياة والحزن والألم والأيام والعمر والأم والعائلة والأخوة والعمل والمستقبل، كل شىء كان يعبر في ذهنه كحمم البركان تتدافع في جنون لتخلق الجحيم.. كان عليه رغم كل هذا الإضطراب والإختلال الذي يسيطر عليه، أن يرسم على وجهه الهدوء، ليكون جاهزاً ليجيب أبيه عندما يسأله، هو الدكتور كان بيقولك إيه!!!؟